فخر الدين الرازي
774
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ينجي اللّه برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهناك يقولون : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ [ الطور : 27 ] ويقال للمكذبين : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب اللّه وعقابه ، وقوله : إِلى ظِلٍّ يعني دخان جهنم كقوله : وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [ الواقعة : 43 ] ثم إنه تعالى وصف هذا الظل بصفات : الصفة الأولى : قوله : ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ وفيه وجوه أحدها : قال الحسن : ما أدري ما هذا الظل ، ولا سمعت فيه شيئا وثانيها : قال قوم المراد بقوله : إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ كون النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم ، وتسمية النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب كقوله : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] وقال تعالى : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ العنكبوت : 55 ] وثالثها : قال قتادة : بل المراد الدخان وهو من قوله : أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] وسرادق النار هو الدخان ، ثم إن شعبة من ذلك الدخان على يمينه وشعبة أخرى على يساره ، وشعبة ثالثة من فوقه . وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله ، والقوة الشيطانية في دماغه ، ومنبع جميع الآفاق الصادرة عن الإنسان في عقائده ، وفي أعماله ، ليس إلا هذه الثلاثة ، فتولدت من هذه الينابيع الثلاثة أنواع من الظلمات ، ويمكن أيضا أن يقال : هاهنا درجات ثلاث ، وهي الحس والخيال ، والوهم ، وهي مانعة للروح عن الاستنارة بأنوار عالم القدس والطهارة ، ولكل واحد من تلك المراتب الثلاثة نوع خاص من الظلمة ورابعها : قال قوم : هذا كناية عن كون ذلك الدخان عظيما ، فإن الدخان العظيم ينقسم إلى شعب كثيرة وخامسها : قال أبو مسلم ويحتمل في ثَلاثِ شُعَبٍ ما ذكره بعد ذلك ، وهو أنه : غير ظليل وأنه لا يغني من اللهب وبأنها ترمى بشرر كالقصر . الصفة الثانية : لذلك الظل قوله : لا ظَلِيلٍ وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظللهم غير ظلل المؤمنين ، والمعنى أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس . الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ يقال : أغن عني وجهك ، أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده ، كما أن المحتاج يقاربه ، قال صاحب « الكشاف » : إنه في محل الجر ، أي وغيره مغن عنهم ، من حر اللهب شيئا ، قال القفال : وهذا يحتمل وجهين أحدهما : أن هذا الظل إنما يكون في جهنم ، فلا يظلهم من حرها ، ولا يسترهم من لهيبها ، وقد ذكر اللّه في سورة الواقعة الظل فقال : فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة : 42 - 44 ] وهذا كأنه في جهنم إذا دخلوها ، ثم قال : لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ فيحتمل أن يكون قوله : لا ظَلِيلٍ في معنى : لا بارِدٍ وقوله : وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ / في معنى : وَلا كَرِيمٍ أي لا روح له يلجأ إليه من لهب النار والثاني : أن تكوّن ذلك إنما يكون قبل ان يدخلوا جهنم بل عندما يحبسون للحساب والعرض ، فيقال لهم : إن هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا يدفع لهب النار ، وفي الآية وجه ثان « 1 » : وهو الذي قاله قطرب : وهو أن اللهب هاهنا هو العطش يقال : لهب لهبا ورجل لهبان وامرأة لهبى . الصفة الرابعة : قوله تعالى : إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ قال الواحدي : يقال شررة وشرر وشرارة وشرار ، وهو ما تطاير من النار متبددا في كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا أظهرته وبسطته للشمس والشرار ينبسط متبددا ، واعلم أن اللّه تعالى وصف النار التي كان ذلك الظل دخانا لها بأنها ترمي بالشرارة العظيمة ، والمقصود منه بيان
--> ( 1 ) الصواب أن يقال : وفي الآية وجه ثالث . لأن الذي تقدم وجهان .